(audio)خطبة الجمعة فاس تورى 06 03 2015 شرج عبد العزيز محمد الهادي تورى

0
369


بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . أما بعد :
أيها المسلمون :
إننا في الدرس الماضي تكلمنا عن معنى (بسم الله) ’ وقلنا إنها تشتمل على عبادتين هما ذكر الله تعالى والاستعانة به .
أما الكلام عن الاستعانة به فقد أجلناه وننوي التعرض له بإذن الله تعالى عند تفسير قوله (وإياك نستعين) , وكنا تعلمنا عن ذكر الله تعالى وشيء قليل من فوائده , وننوي أن نذكر بعض المناسبات التي تتأكد فيها التسمية ’ سواء مفردة أم مع دعاء آخر , ولكن نريد تأجيل ذلك إلى دروس آتية إن شاء الله .
أما اليوم فسنستمر بإذن الله تعالى في تفسير السورة :
وعندما نتأمل في السورة فإننا نجد أنها بدأت ب (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم) , وفي هاتين الآيتين الشريفتين نجد بعض أسماء الله الحسنى ’ وذلك إشارة إلى نوع من أنواع التوحيد يسمى توحيد الذات والصفات والأسماء وهو توحيد المعرفة , وهذا التوحيد يجب على كل مسلم تعلمه واعتقاده , ولعلنا سنفرد له بإذن الله تعالى درسا خاصا إن شاء الله .
فالله سبحانه وتعالى واحد في ذاته , وله أسماء وصفات يجب أن يعرفها المسلم , وقد ورد في الحديث الذي خرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» . وهذه الأسماء والصفات هي التي سمى الله أو وصف بها نفسه في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم , فمن أراد أن يعرفها فإنما مرجع ذلك الكتاب والسنة , ولا يجوز فيها الاختلاق ولا الابتداع بل هي توقيفية محضة , وهي منتشرة في ثنايا كتاب الله تعالى ’ كسورة الإخلاص ’ وآية الكرسي ’ وآخر سورة الحشر (لو أنزلنا هذا القرءان) إلى آخرها ’ وأول سورة الحديد ’ وغير ذلك من آيات كثيرة جدا .
ونجد أن سورة الفاتحة اشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بأربعة أسماء مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها ومدارها عليها وهي الله والرب والرحمن والرحيم .
فلفظ الجلال (الله) هو علم الذات المقدسة , والأسماء الأخرى المذكورة في السورة كلها تدل على الرحمة إما تصريحا أو تضمينا .
وتعالوا أيها المسلمون نتصور معا بشيء من التدبر الآيات أو الآيتين الأوليين من سورة الفاتحة :
(بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم) .
فبما أنها سورة جاءت لتلخيص المصحف الشريف أي لتلخيص 114 سورة , وجاءت لتلخيص المنهج السماوي الذي أنزله الله تعالى على الأرض لتسير عليه البشرية ’ فإن كل كلمة وكل آية من كلماتها وآياتها الأولى لابد أن تكون ذات أهمية قصوى في الدلالة , فأريد أن نلاحظ الكلمات والتعابير التي افتتحت بها والتي تحمل كلها معاني الرحمة , فبعد ذكره تعالى باسمه العلم (الله) ’ نرى اسمين من أسمائه التسعة والتسعين , نرى منها صفة الرحمة تتكرر أربع مرات في مجال قصير , (الرحمن الرحيم) في البسملة , ثم (الرحمن الرحيم) مرة أخرى كآية مستقلة بعد آية واحدة تفصل بينها وبين البسملة , فما هذه الرحمة الكثيرة الوافرة ؟
ونلاحظ أيضا أن الآية الفاصلة بين البسملة و(الرحمن الرحيم) الثانية ’ هي (الحمد لله رب العالمين) , وهذه الآية تحمل من بين ما تحمل تقريرَ ثبوت الحمد بجميع أنواعه لله تعالى , وتحمل أيضا دعوة الناس إلى أداء هذا الحمد له تعالى , وكلنا نعلم أن الحمد يأتي بعد الإحسان ويأتي بعد النعمة , فلابد من نعم وإحسان كثيرة كبيرة نزلت في الكون من عند الله تعالى ليستفيد منها المؤمن والكافر ’ والمصدق والمنكر ’ والشاكر والجاحد ’ والكبير والصغير ’ والذكر والأنثى ’ والعالم والجاهل ’ والعابد والغافل , تقتضي ثبوت هذا الحمد لله كما تقتضي دعوة الناس إلى أداء الحمد لله .
ونلاحظ أيضا وصف لفظ الجلال بعد (الحمد لله) بعبارة (رب العالمين) , فمثلا لو وضع مكانها (إله العالمين) أو (خالق العالمين) أو (مالك العالمين) أو غير ذلك من الصفات لكان الكلام صحيحا ’ ولكن الله تبارك وتعالى برحمته الواسعة اختار لفظة -رب- (رب العالمين) , ولا تنس ما تنطوي عليه هذه الكلمة من معاني الرحمة والعناية , وانظر العلاقة بين (رب) و(مربي) , سواء عنينا بكلمة (مربي) معناها المادي كما نقول في مربي الدواجن أو المواشي بأنه القائم على إطعامها وسقيها وعلاجها عند المرض والعناية بها حتى تكون في ظروف معيشية سليمة وخالية من المنغصات وحاوية لكل أسباب السعادة المادية , أم عنينا بكلمة (مربي) المعنى التوجيهي الإرشادي كما نقول (مربي الأولاد) ونعني به الشخص الذي يقوم بتوجيههم وإرشادهم إلى الأفعال والصفات التي تتحقق لهم بها السعادة , ومنعهم والحيلولة بينهم وبين تلك الأفعال والصفات التي يمكن أن تسبب لهم الشقاوة في صغرهم أو كبرهم , كل هذه المعاني تتضمن العناية بالإنسان والشفقة عليه والرحمة ’ وكلها تحتوي عليها معنى (رب) , هذا إضافة إلى تضمنها معنى من معاني عظمة الله تعالى وهو كونه ربا للعالمين .
إن الذي نستخلصه من كل ما قلنا هو أن أشمل صفاته تعالى وأقواها هي الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء وشملت كل مخلوق .
وهذه الحقيقة هي ما جعلت أكثر مفردات الفاتحة ’ وجعلت تركيب السورة كلها ’ على هذا النحو الذي رأينا من الرحمانية التي تتجلى في كل كلمة وكل آية وكل تركيب وترتيب .
تفسير (الحمد لله)
(الحمد لله) تشتمل على خبر وإنشاء وعلى أمور أخرى :
أ- الخبر : تقرير أن الحمد بجميع أنواعه ثابت للمولى جل جلاله وراجع إليه , فلام التعريف في (الحمد) لاستغراق الجنس , أي إن جميع أنواع الحمد ثابتة لله تعالى , ويقسم العلماء الحمد إلى أربعة أنواع :
1- حمد قديم لقديم وهو حمد الله نفسه كما في قوله تعالى في أول سورة الأنعام :(الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) .
2- حمد قديم لحادث وهو حمد الله لأحد عباده كقوله تعالى عن نبيه أيوب عليه السلام (نعم العبد إنه أواب) , فلاشك أن الله تعالى هو الذي وفق عبده أيوب للصبر على بلوائه وعلى كل ما عمل من عمل صالح ارتضاه له , فلولا فضل الله ورحمته عليه لما استطاع أن يفعله , فإذا حمد الله تعالى هذا العبدَ فإن هذا الحمد يعود لله .
3- حمد حادث لقديم كملاحظة أحد عباد الله لنعمة أو نعم من الله عليه فحمده , مثل قول نبي الله إبراهيم عليه السلام حامدا ربه (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) , ولاشك أن مثل هذا الحمد يتجدد في كل لحظة بين العباد وربهم, فحتى كاتب هذه السطور يحمد ربه على كل نعمة أنعمها عليه ومنها كتابة هذه السطور ومحاولة بيان هذا الدرس .
4- حمد حادث لحادث كأن يحسن إليك أحد الناس فتشكره , فلاشك أن هذا الشكر يرجع لله , لأنه تعالى هو الذي سهل هذا الإحسان للعبد المشكور وكتب في قلبه أن يحسن إلى أخيه , ولولا ذلك لما حدث الإحسان موجب الشكر , فما العبد المحسن إلا واسطة وموصلا أوصل هذا الإحسان من الله إلى العبد الشاكر, ولهذا فإن الشكر يعود لله تعالى .
ب- الإنشاء : إن آية الحمد هذه بعد ما كانت إخبارا فإنها أيضا تعليم للعبد بأن عليه شكر نعم الله التي أسبغها عليه ظاهرة وباطنة , وهل يستطيع أي إنسان أن يتصور في ذهنه جميع النعم التي أنعمها الله عليه ؟ كلا , بل إن كل إنسان يتقلب في كل لحظة من لحظات وجوده في نعم لا يعلم شيئا عنها ولا يشعر أنه يتقلب فيها ’ هي أكثر وأوسع بكثير من تلك النعم التي يعلمها ولا يستطيع حصرها أو عدها , وصدق الله العظيم (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) .
ج- مزامنة الخالق العظيم قراءة المصلي هذه الآية الكريمة مع قوله تعالى (حمدني عبدي) كما ورد في حديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) ’ فيها ربط لطيف للعبد بخالقه , لعل العبد في هذه اللحظات يزداد ارتباطا وتعلقا بالله تعالى ’ ويزيد استحضار جلاله في قلبه فيزيد حمد وشكر نعم ربه , ولعل القلب عندئذ ينبض بمزيد محبة الله تعالى ويتلذذ بالمشاعر الربانية التي تغمر قلبه في هذه اللحظات , فيكثر تشوقه إلى هذا الموقف الرباني الرائع اللذيذ الذي يقفه العبد بين يديه تعالى أثناء الصلاة .
ولا تحاول أن تحصي ما ينسكب على قلب العبد في هذا الموقف من الأنوار والبركات التي تجعل القلب غامرا بالسعادة والاطمئنان الدائم داخل الصلاة وخارجها , ومن الشعور بالأمن والإيمان القوي بالله تعالى , ومن الحب اللامحدود لله ولدينه القويم , ومن الهداية الربانية والشوق الشديد إلى فعل الخيرات وترك المنكرات (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) , وهذه بعض نتائج أنوار الصلاة حين تشرق في قلب العبد , ولكن هذه الأنوار وهذه النعم إنما يخص عباد الله المخلصين في الصلاة , ولا يذوقه أولئك الغافلون الذين هم عن صلاتهم ساهون .
اللهم اجعلنا من عبادك (الذين هم في صلاتهم خاشعون ) , و(الذين هم على صلاتهم دائمون ) .
والحمد لله رب العالمين
فإلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى .
أخوكم المحب لكم كل الخير // عبد العزيز محمد الهادي تورى
مدير المعهد الإسلامي دار الأرقم ابن أبي الأرقم بفاس تورى
الجمعة 15 جمادى الأولى 1436 هجري ’ الموافق 06 مارس 2015 ميلادية